شكلت أزمة الكهرباء التي عرفها البلد اختباراً حقيقياً لمنظومة الكهرباء الوطنية، كما شكلت اختباراً لقدرة الدولة على إدارة الأزمات والتعامل معها في ظروف استثنائية.
وبقدر ما تقتضي المسؤولية الاعتراف بحجم الانزعاج الذي سببه انقطاع الكهرباء للمواطنين، فإن الإنصاف يقتضي أيضاً التوقف عند الطريقة التي تعاملت بها الدولة والحكومة مع الأزمة، وما أظهرته من جاهزية وتعبئة وسرعة في الاستجابة.
ومن موقع الداعم لمسار الإصلاح الذي يقوده فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، يمكن استخلاص عشرة دروس أساسية من هذه الأزمة:
أولاً: المواطن هو الأولوية.
منذ اللحظات الأولى، انصب الاهتمام على إعادة الكهرباء وتأمين الخدمات الأساسية، خصوصاً المياه والصحة، بدل الانشغال بالسجالات السياسية وتبادل الاتهامات. وهذه أولوية صحيحة في إدارة الأزمات.
ثانياً: سرعة الاستجابة تعكس جاهزية الدولة.
تعبئة الفرق الفنية، وتوفير المعدات وقطع الغيار، والعمل المتواصل من أجل إعادة الخدمة، كلها مؤشرات على أن الدولة تمتلك قدرة معتبرة على التحرك عندما تفرض الظروف ذلك.
ثالثاً: الأزمات تكشف قوة التنسيق الحكومي.
لم تكن مواجهة الأزمة مسؤولية قطاع الكهرباء وحده، بل تطلبت تنسيقاً بين قطاعات ومؤسسات مختلفة، لضمان استمرار المياه والخدمات الصحية والأمنية وغيرها من المرافق الحيوية.
رابعاً: الخدمات الأساسية يجب ألا تتوقف.
إن استمرار عدد من الخدمات الحيوية، رغم تعطل محطات للتحويل، يؤكد أهمية وجود خطط للطوارئ تضمن استمرارية المرافق التي ترتبط مباشرة بحياة المواطنين.
خامساً: التحقيق هو الطريق إلى تحديد المسؤوليات.
إن تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في مختلف جوانب الحادثة خطوة مهمة تستحق الدعم. والمطلوب أن تقدم هذه اللجنة أجوبة واضحة حول أسباب الحريق، وحالة المنشآت والتجهيزات، واحترام المعايير الفنية، وجودة التنفيذ، والصيانة، ومسؤولية مختلف المتدخلين.
سادساً: الصيانة الوقائية يجب أن تكون في صدارة الأولويات.
كل أزمة تحمل درساً للمستقبل. ومن أهم الدروس هنا ضرورة تعزيز الصيانة الوقائية، ومراجعة وضعية محطات التحويل والمنشآت القديمة، والتدخل قبل أن تتحول الأعطاب إلى أزمات.
سابعاً: الجاهزية تعني أيضاً توفر الوسائل.
لا تكفي الكفاءات الفنية وحدها، بل تحتاج منظومة الطوارئ إلى مخزون كافٍ من قطع الغيار والمعدات، وإلى فرق مدربة وقادرة على التدخل في أسرع وقت.
ثامناً: الأزمة فرصة لتسريع الإصلاح.
يمكن أن تشكل هذه الحادثة مناسبة لمراجعة بعض الإجراءات وتعزيز أنظمة الحماية والسلامة وتحديث خطط الطوارئ، ومواصلة الاستثمار في الإنتاج والنقل والتوزيع، بما يجعل المنظومة أكثر قوة وقدرة على الصمود.
تاسعاً: الإنصاف يقتضي رؤية الصورة كاملة.
من حق المواطن أن ينتقد انقطاع الكهرباء، ومن واجب الدولة أن تعمل على منع تكراره. لكن من غير المنصف أن تتحول حادثة استثنائية إلى مبرر لإنكار كل ما تحقق في قطاع الكهرباء أو في الخدمات العمومية خلال السنوات الأخيرة.
عاشراً: الدولة القوية هي التي تتعلم من أزماتها.
القوة ليست في غياب الأزمات، وإنما في القدرة على مواجهتها، وتقليل آثارها، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، ثم تحويل التجربة إلى إجراءات تمنع تكرارها.
ما قامت به الحكومة، تحت التوجيه والمتابعة المباشرة لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، من تعبئة للقطاعات العمومية والفرق الفنية والوسائل اللازمة، والعمل على إعادة الخدمة ، يستحق الإشادة والتقدير.
إن دعم مسار الإصلاح لا يعني تجاهل مكامن الخلل، كما أن المطالبة بالمحاسبة لا ينبغي أن تتحول إلى إنكار للجهود المبذولة.
الأزمات لا تُقاس فقط بحجم ما تسببه من اضطراب، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على إدارتها وتحويل دروسها إلى إصلاحات. وتلك هي المسؤولية التي ينبغي أن تكون عنوان المرحلة المقبلة.
--------
المهندس محمد محمود ولد الصيام
